أحمد مطلوب
95
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
قالوا لنا وعرفنا بعد بينهم * قولا فما وردوا عنه ولا صدروا وهذه من أمثلة قدامة في فن « التمثيل » « 1 » . ومن ذلك قول المتنبي : ومن يك ذا فم مرّ مريض * يجد مرّا به الماء الزّلالا والاستعارة في هذه الأمثلة لم تجر في لفظ مفرد من ألفاظ العبارة وإنّما أجريت في التركيب كله ، وهذا هو « التمثيل الذي يكون مجازا لمجيئك به على حد الاستعارة » « 2 » . أو « الاستعارة التمثيلية » . ومتى فشا هذا اللون في الاستعمال سمي مثلا ولذلك لا تغير الأمثال « 3 » . الاستعارة التّمليحيّة : وتسمّى التّهكّميّة أيضا ، وهي استعمال الألفاظ الدالّة على المدح في نقائضها من الذّمّ والإهانة . وقد أشار الفرّاء إلى مثل هذا الأسلوب في القرآن الكريم وقال : « وقوله : فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ « 4 » ، الإثابة ههنا في معنى عقاب ولكنّه كما قال الشاعر : أخاف زيادا أن يكون عطاؤه * أداهم سودا أو محدرجة سمرا وقد يقول الرجل الذي قد اجترم إليك : « لئن أتيتني لأثيبنك ثوابك » معناه لأعاقبنك وربما أنكره من لا يعرف مذاهب العربية وقد قال اللّه تبارك وتعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * « 5 » والبشارة انما تكون في الخير ، فقد قيل ذلك في الشر » « 6 » . ونظر ابن جني إلى مثل هذا الأسلوب بمثل ما نظر البلاغيون في المجاز المرسل إلى اعتبار ما كان فقال تعليقا على قوله تعالى : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ « 7 » : « انما هو في النار الذليل المهان ، لكنه خوطب بما كان يخاطب به في الدنيا ، وفيه مع هذا ضرب من التبكيت له والأذكار بسوء أفعاله » « 8 » . وقال السكاكي في تعريف الاستعارة التمليحية : « هي استعارة اسم أحد الضدين أو النقيضين للآخر بواسطة انتزاع شبه التضاد والحاقه بشبه التناسب بطريق التهكم أو التمليح ثم ادعاء أحدهما من جنس الآخر والافراد بالذكر ونصب القرينة » . « 9 » وعدّها القزويني من العنادية فقال : « ومنها ما استعمل في ضد معناه أو نقيضه بتنزيل التضاد أو التناقض منزلة التناسب بوساطة تهكم أو تمليح » « 10 » . وسار على ذلك شراح التلخيص « 11 » ، والمدني الذي قال : « ومن العنادية التهكمية والتمليحية وهما ما استعمل في ضد أو نقيض » « 12 » . ومن أمثلتها قوله تعالى : إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ « 13 » مكان السفيه القوي وقوله : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * « 14 » مكان انذرهم ؛ لأنّ البشارة إنما تستعمل في الأمور المحمودة والمراد ههنا العذاب والويل . ومنه قوله : فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ « 15 » .
--> ( 1 ) نقد الشعر ص 181 . ( 2 ) دلائل الاعجاز ص 54 . ( 3 ) الايضاح ص 307 ، التلخيص ص 323 ، شروح التلخيص ج 4 ص 147 ، المطول ص 380 ، الأطول ج 2 ص 147 ، التبيان في البيان ص 196 . ( 4 ) آل عمران 153 . ( 5 ) آل عمران 21 ، التوبة 34 . ( 6 ) معاني القرآن ج 1 ص 239 . ( 7 ) الدخان 49 . ( 8 ) المحتسب ج 1 ص 101 . ( 9 ) مفتاح العلوم ص 177 . ( 10 ) الايضاح ص 290 ، التلخيص ص 309 . ( 11 ) شروح التلخيص ج 4 ص 78 ، المطول ص 365 ، الأطول ج 2 ص 130 . ( 12 ) أنوار الربيع ج 1 ص 247 . ( 13 ) هود 87 . ( 14 ) آل عمران 21 ، التوبة 34 ، الانشقاق 24 . ( 15 ) الصافات 23 .